يقدم المخرج الياباني كوريدا هيروكازو فيلم «انظر إلى الوراء»، المقتبس من مانغا تحمل الاسم نفسه للمؤلف فوجيموتو تاتسوكي، صاحب مانغا «رجل المنشار». ويشارك الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي، حيث يُعرض للمرة الأولى.
يمثل فيلم «انظر إلى الوراء» ثالث تجربة لكوريدا هيروكازو في اقتباس عمل من المانغا. لكنه يختلف عن تجاربه السابقة، إذ يستند هذه المرة إلى عمل حقق شعبية تجارية واسعة وشهرة عالمية.
قصة فيلم «انظر إلى الوراء»
تدور أحداث الفيلم حول فوجينو وكيوموتو، وهما زميلتان في الدراسة تجمعهما موهبة رسم المانغا. تبدأ بينهما علاقة قائمة على المنافسة، قبل أن تتطور إلى صداقة وارتباط فني عميق.
تسعى الفتاتان إلى تحقيق حلمهما في احتراف رسم المانغا. ومع مرور الوقت، تتغير علاقتهما وتتخذ حياتهما مسارًا مصيريًا.
استوحى فوجيموتو تاتسوكي القصة من مانغا قصيرة صدرت في مجلد واحد، وتمكنت من ترك تأثير واسع لدى القراء. أما كوريدا، فرأى فيها مادة مناسبة لتقديم تجربة سينمائية مختلفة.

لماذا اختار كوريدا هيروكازو اقتباس «انظر إلى الوراء»؟
يقول كوريدا إن الصورة الموجودة على غلاف المانغا كانت أول ما لفت انتباهه. ويظهر فيها طفل يجلس ويرسم المانغا.
يقول المخرج:
«لقد جذبتني الصورة على الغلاف. ظهر طفل يجلس ويرسم مانغا. قرأتها كاملة في تلك الليلة. إنها مانغا رائعة أثرت بي بشدة.»
جاءت قراءة المانغا في فترة صعبة بالنسبة إلى كوريدا. فقد تزامنت مع جائحة كورونا وإغلاق دور السينما، ما دفعه إلى إعادة التفكير في علاقته بصناعة الأفلام.
يوضح المخرج أن المانغا منحته بصيصًا من الأمل في تلك الفترة، وساعدته على التساؤل مجددًا عن سبب استمراره في صناعة الأفلام.
ويقول:
«أُغلقت دور السينما. شعرت وكأن العالم يُنكر عملي الذي أحببته. شجعني الاطلاع على هذه المانغا على التساؤل عن سبب قيامي بما أفعله.»
بعد ذلك، قرر تحويل العمل إلى فيلم تعبيرًا عن امتنانه للمؤلف. ويضيف أن اختياره كان طبيعيًا بالنسبة إليه، لأنه مخرج أفلام ويريد التعبير عن أفكاره من خلال السينما.
كوريدا يحول تفاصيل المانغا إلى لغة سينمائية
جمع كوريدا في فيلم «انظر إلى الوراء» بين أسلوبه المعروف في العمل مع الممثلين، وبين الإيقاع السريع الذي تتميز به المانغا الأصلية.
ويرى المخرج أنه لا يستطيع بالضرورة اقتباس الأعمال الأكثر حركة لفوجيموتو تاتسوكي. لكنه شعر بأن «انظر إلى الوراء» تمنحه فرصة مناسبة لتجربة ذلك.
وخلال عمله على الفيلم، اهتم كوريدا بالتفاصيل الصغيرة المرتبطة برسم المانغا. وبعد لقائه بفوجيموتو، بدأ يفكر في الأصوات التي يمكن أن تنقل عملية الرسم إلى الشاشة.
يقول المخرج إنه أدرك أن المانغا لا صوت لها. لذلك سجل صوت قلم واحد، ثم صوت قلمين، مع اختلاف طريقة الرسم بينهما. كما اهتم بالانتقال من الرسم بالقلم على الورق إلى المعالجة الرقمية.
كان كوريدا يرى أن نقل هذه التحولات إلى الشاشة يمكن أن يمنح الفيلم ثراءً بصريًا وسمعيًا.
تدريب بطلات الفيلم على رسم المانغا
لم يكتفِ كوريدا بقراءة المانغا لفهم عالمها، بل تعمق في عملية صناعة المانغا نفسها.
شاهد المخرج أفلامًا وثائقية عن رسامي المانغا، وقرأ أعمالًا تتناول هذا الفن. كما استعان الفريق بمدرب لتدريب الفتيات الأربع اللواتي يؤدين أدوار الشخصيات الرئيسية.
كانت الممثلات يحصلن على واجبات أسبوعية، في تجربة تشبه ما يحدث داخل مدارس تعليم رسم المانغا. ثم يجتمعن مع المدرب لتعلم كيفية رسم الخطوط بثقة.
ساعد هذا التدريب على جعل عملية الرسم جزءًا طبيعيًا من أداء الشخصيات، بدل الاكتفاء بتقديمها أمام الكاميرا بصورة شكلية.
اختلاف شخصية فوجينو بين المانغا والفيلم
أدخل كوريدا بعض التغييرات على طريقة تقديم الشخصيات، خصوصًا فوجينو.
في المانغا والأنمي، تظهر فوجينو بشخصية جريئة ومغرورة أحيانًا. لكن ناناسي فوري، التي تجسد الشخصية خلال سنوات الدراسة، تقدمها بطريقة أكثر هدوءًا في التعبير عن روحها التنافسية.
ويرتبط هذا الاختلاف بطبيعة السينما الواقعية. ففي العمل الأصلي، تظهر بعض أفكار فوجينو على شكل مونولوجات داخلية. أما في الفيلم، فقد رأى كوريدا أن التعبير عن هذه الأفكار يحتاج إلى أسلوب أكثر واقعية.
يشرح المخرج:
«في العمل الأصلي، غالبًا ما تأتي هذه التصريحات على شكل مونولوج. لا يناسب فيلمًا واقعيًا أن ينفجر شخص عاطفيًا وهو يحدث نفسه.»
لذلك حوّل كوريدا بعض المونولوجات إلى حوارات، كما نقل بعض الكلمات إلى أفعال. وبذلك أصبحت مشاعر فوجينو أكثر ارتباطًا بتفاعلها مع الشخصيات الأخرى.
تجربة كوريدا الشخصية ألهمت الفيلم
لا تقتصر علاقة كوريدا بقصة «انظر إلى الوراء» على عملية الاقتباس فقط. فقد وجد المخرج بعض أوجه التشابه بين أحداث العمل وتجربته الشخصية خلال سنوات الدراسة.
يستذكر كوريدا أنه كان يعتقد أنه يقرأ كثيرًا عندما كان صغيرًا. لكنه اكتشف خلال المرحلة الإعدادية أن أحد زملائه يمتلك معرفة أوسع بكثير.
ذهب كوريدا إلى منزل زميله، وهناك رأى رفوفًا مليئة بالروايات التي يقرأها الكبار. ترك المشهد أثرًا كبيرًا فيه، وجعله يدرك أن هناك أشخاصًا يتفوقون عليه في مجال القراءة والمعرفة.
ويرى كوريدا تشابهًا بين تجربته وتجربة فوجينو عندما التقت بكيوموتو، التي كانت أكثر براعة منها في رسم المانغا.
يقول المخرج:
«صُدمت كما صُدمت فوجينو عندما التقت أخيرًا بشخص مثل كيوموتو، القادر على رسم المانغا أفضل منها.»
دفعه ذلك اللقاء إلى القراءة بنهم، بهدف الوصول إلى مستوى زميله في الحديث عن الروايات. ويكشف كوريدا أن الصداقة بينهما استمرت حتى اليوم.
ولا يزال زميله يشاهد أفلامه ويرسل إليه ملاحظاته. ويصف المخرج نقده بأنه أكثر صرامة من أشد النقاد قسوة.
«انظر إلى الوراء» من المانغا إلى الشاشة
يعكس فيلم «انظر إلى الوراء» اهتمام كوريدا هيروكازو بالتفاصيل الإنسانية والعلاقات بين الشخصيات. وفي الوقت نفسه، يحاول الحفاظ على روح مانغا فوجيموتو تاتسوكي، مع تحويل عناصرها الداخلية إلى لغة سينمائية واقعية.
ومن خلال التركيز على الرسم والصداقة والمنافسة والطموح، يقدم الفيلم معالجة مختلفة للعمل الأصلي، مستفيدًا من خبرة كوريدا في تقديم قصص الشخصيات بأسلوب واقعي وحساس.
ويمنح عرض الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي فرصة جديدة لوصول قصة فوجينو وكيوموتو إلى جمهور أوسع، من خلال رؤية سينمائية تحمل بصمة كوريدا الخاصة.
المصدر: variety




